الشيخ ناصر مكارم الشيرازي

354

الأمثل في تفسير كتاب الله المنزل

بل حتى تشبيه كلمح بالبصر ( 1 ) ( 2 ) . وعندما يتحدث عن الأمر الإلهي في يوم القيامة ويشبهه ب‍ ( لمح بالبصر ) يضيف ( أو هو أقرب ) . وعلى كل حال فإن الحديث هنا عن الزمان حسب التعبيرات اليومية لنا ، وكذلك فإن القرآن الكريم يخاطبنا بلغتنا ، وإلا فإن أوامر الله تعالى فوق الزمان . وضمنا فإن التعبير ب‍ ( واحدة ) يمكن أن يكون إشارة لهذا المعنى ، وهو أن أمرا واحدا يكفي ولا يحتاج إلى تكرار ، أو أنها إشارة إلى أن أمره تعالى حول الصغير والكبير وحتى خلق السماوات الواسعة أجمع لا يختلف عن خلقه لذرة التراب . وفي الأصل فإن الكبير والصغير والسهل الصعب يكون في مقاييسنا الفكرية المحدودة وقدرتنا الضئيلة ، أما عندما يكون الحديث عن القدرة الإلهية العظيمة فإن هذه المفاهيم تتلاشي تماما ، ويصبح الكل بلون واحد وشكل واحد ، ( فتدبر ) . ويطرح هنا " سؤال " : وهو إذا صح معنى الجملة أعلاه وهو أن كل شئ يوجد آنا ( في الآن ) فإن هذا الأمر لا يتناسب مع مشاهدة التدرج في حوادث العالم . ويتضح " الجواب " عندما نلاحظ هذه النقطة ، وهي أن أمره تعالى في كل مكان وكل شئ هو ( كلمة واحدة ) والتي تكون أسرع من لمح البصر ، ولكن محتوى الأمر الإلهي متفاوت ومختلف ، فإذا صدر الأمر الإلهي للجنين أن يكمل دورته تسعة أشهر ، فلن تزيد وتنقص لحظة واحدة . والفورية هنا هي أن يكمل الجنين الدورة في نهاية المدة المحددة ، ولو أعطي أمر للكرة الأرضية أن تدور في كل أربع وعشرين ساعة مرة حول نفسها ؟ فإن هذا الأمر غير قابل للتخلف ، وبتعبير آخر فإن تنفيذ أمره تعالى لا يحتاج إلى أي وقت زماني ، والموجود هنا هو محتوى الأمر . ومن خلال معرفة السنة التدريجية للعالم المادي وخاصيته

--> 1 - " لمح " على وزن ( مسح ) والأصل بمعنى لمعان البرق ثم جاءت بمعنى النظر السريع . 2 - النحل ، 77 .